الاثنين، 21 يونيو، 2010

.. قم فاستقم

قم يا صغيري و استقم، قم يا فتى و لا تقع ، ارفع عينيك و انظر أمامك، هل تراني؟! ما لهذه النظرات الزائغة؟! مما تخاف؟! لا تنظر هكذا في الفراغ.. أرجوك.. قم و إكسر هي القيود بيمينك، فأنا لا أخاف عليك بطشة سلطان و إن بغى .. و لا أخاف عليك قسوة حرمان وإن قسى .. بل أخاف عليك منك .. منك أنت، أفلا ترى .. تلك القيود تكسرت ، تحطمت، مالي أراك ساكنا و كأن قيودك ما تزال تحيطك، تكتفك .. أجبني ! .. أنا لم أخاف عليك من سجنهم الحديدي .. كنت أراك فخورا.. واثق أن فرج الله آت.. كنت أرى عينيك تضحكان من وراء القضبان .. كيف بنوا هذا السجن داخلك ؟! بل أنت بنيته داخلك ..في سجنهم، كنت حرا طليقا .. الآن أنت طليق يا ولدي .. ألا ترى؟! ما عهدتك يوما هكذا .. قم فاستقم وانطلق ..

أنسيت من أنت؟! أنت من ورث المجد و التراث و الثرى .. أنت من بنى الماضي و أحلام الصبى ..أنت من رأيت بعينيه الورى .. أنت ابني .. و لن أتركك هكذا .. لن أتركك أبدا.. صدقني .. أنت الأمل .. ألا ترى؟ مد يدك .. مد يدك و أمسك أصابعي .. هي تماما أناملك نفسها .. الكبيرة الصغيرة.. نعم.. حركها .. هو يستجيب .. هيا.. هيا.. أقترب .. نعم .. مد يدك .. أكثر .. أمسك أصابعي .. نعم هكذا .. ضمهم.. إشدد عليهم .. هيا يا بني .. أشعرني بقوتك .. هيا إنطلق .. قم .. تحرك .. هيا .. هو يستجب.. أعلم أنك نسيت الكلام .. أعلم أنك عدت طفلا في الثلاثين .. أعلم أنهم يتهمونني بالجنون إذ أقول أنك أنت الأمل ..أعلم .. و لكني أثق أنك أنت الأمل ..

نعم أمسك بأطراف ثيابي كسابق عهدك .. و تمسك بها ..و تعكز علي فإن جسدي عكازك .. قم يا بني .. قم يا صغيري .. قم يا فتى .. قم .. قم .. أرجوك .. سأساعدك .. سأسقيك حبي من جديد .. قم يا فتى ..

-أجننت يا إمرأة؟! ..هو ذي أمامك بلا قوة ..و أنت عجوز بلا عافية..

- لا بل عقلت .. نعم عقلت .. فهو الأمل و سأوقظه .. و سيفيق من غفوته .. من أزمته.. من محنته ..

ها هو .. بدأ يستجيب .. هو يستجب .. نعم تحرك .. إنه يحبو .. ها هو يحبو .. نعم نعم يحبو ..

- ما لك سعيدة و كأنه عبر المحيط .. هو عاجز .. شاب في الثلاثين يحبو .. هذا شيئ يحزن ..

- صهي يا خبيثة و أخرجي .. هيا أخرجي .. هل رأيتم يوما شخصا يخرج من أعماق المرض إلى قمة العافية؟! لا و لكن رويدا رويدا .. و أنا هنا حتى يخرج .. أما أنت فأخرجي.. هيا أغربي.. و لا ترينا وجهكي الكريه ثانية..أيتها الفاسدة ..المفسدة..

-أنا هنا منذ سنين .. سكنت هنا حين كنتي تغفلين .. وعن أولادك كنت تبعدين .. و في المظاهر تغرقين.. لن تستطيعي إخراجي الا في سنين ..

- بل أستطيع .. و سأخرجك .. بل استأصلك .. و أخلص ولدي من بين يديكي .. هي يدايا التي تحنو عليه تقتلك .. و أقتلك .. و سأصحقك ..هيا أخرجي بلا رجعة..

ها .. ما هذا .. لقد خطى خطوة.. هيا يا صغيري.. يا رجلي .. تشبث بي .. أنا هنا لك حتى أقيمك .. فلن أقبل إلا أن تنطلق و ستنطلق.. هيا انطلق ..

قام بخطوة .. تبسم بسمة .. و خطوة أخرى.. و تمتم شيئا.. نطق بكلمة .. بل بعض من كلمة.. قال .. أممممم .. هي ذي الصحوة...

الجمعة، 4 يونيو، 2010

و عاد الدفء


مر أسبوع الآن و لم نتكلم .. كان أطول أسبوع في حياتي.. كلما تلاقت نظاراتنا صدفة شعرت بهذا البرد في قلبي .. عيناها الواسعتان ترمقني بهذه النظرة .. نظرة تحمل كل معاني العتاب .. كنت أتحسس أخبارها من أصدقاءنا ولا أستطيع أن أفارقها أكثر من ذلك و لا أستطيع أن أكلمها أيضا..

لماذا يتملكني كل هذا العناد الذي ما كان يوما من طبعي؟ أردت أن أذهب و أكلمها و اعتذرلها عن سوء التفاهم الذي لم يكن بسبب أى منا .. و لكني لم أفعل .. اكتفيت بلحظات اقتنستها في القرب منها في وجود صديقة ثالثة.. استغفر الله العظيم .. ما كنت يوما هكذا.. تذكرتها.. فهي أقربهن إلى قلبي و إلى عقلي .. كلما رأيتها حمدت الله على نعمة الصحبة ..فهي جميلة .. بكل ما تحمله الكلمة من معاني.. هادئة الطبع أحيانا و مجنونة أحيانا أخرى .. حكيمة و عميقة الفكر أحيانا و طفلة جدا أحيانا أخرى..حنونة جدا و عملية جدا ..

أفففف...سوف أذهب و أصالحها.. ولكن.. لماذا لاتبدأ هي؟.. لن أذهب .. سوف انتظر الليل فسوف نتقابل في حفل زفاف صديقة أخرى و نتكلم ..


تقابلنا في الفندق.. كانت ترتدي فستان جميل .. كان لونه أبيض..و كانت ترتدي طرحة بنفس اللون..كانت تبدو كالملاك بهذا الثوب .. كلنا كنا نرتدي ملابس جميلة .. و لكن كل البنات كان رأيهن ألا تضع هذه الطرحة و تدخل لون زائد على الملابس .. عادة ما أفكر بنفس الأسلوب في اختيار ملابسي و لكن هذه المرة أعجبني .. بل هي أعجبتني .. لا .. بل هي تعجبني دائما ..فتدخلت و قلت لها .." الطرحة حلوة أوي بجد سيبك منهم"..فقالت .."انت كمان لبسك حلو أوي"

يجب أن أنهي هذا الموقف السخيف


كنا نقف في بهو الفندق وقتها.. حتى انتهت الزفة.. فدخل الجميع القاعة الا أنا و هي .. بغير أى إتفاق سابق .. نظرت إليها و هممت أن أقول شيئا .. لا أتذكر ما هو .. فوجدتها تسبقني و تقول :"وحشتيني أوي" .. شعرت بهذا البرد يتلاشى ويغمرني هذا الدفء ثانية .. فقلت و قد إمتلئت عيوننا بالدموع .. "إنت وحشتيني أكتر".. ثم قلت لها "‘إيه إلي إحنا بنعمله ده؟" .. فقالت "شيطان"..

الجمعة، 14 مايو، 2010

بيت عن المرض

طلبوا لي طبيب الورى وطلبت أنا طبيب السماء


ذاك ليعطي الدواء وذاك ليجعل فيه الشفاء



بل اثنتين..

أخي مصطفى: الو ايه النظام؟
أنا: ولا حاجة مفيش نظام
مصطفى: انت فين؟
أنا:السؤال المعتاد.. يعني اكيد في الشغل يعني
مصطفى:تاخدي بكرة اجازة و نروح نصطاد؟
أنا:ايه دة بجد ! اه طبعا اوكى .. هاخد اجازة .. و مفيش ضغط في الشغل .. خلاص إن شاء الله
شعر مصطفى بأني أحتاج إلى التغيير في هذا الوقت بالذات... مصطفى أخي الاصغر .. و لكنه لم يعد صغيرا .. فقد كبر و أصبح رجلا يعتمد عليه.. حنون بتصرفاته و عاقل بنظراته.
أحب كثيرا هذه الرحلات التي تولد في ثانية و تنفذ في الثانية التي تليها.. فقليل من عدم التخطيط يعيد إلي بعض طفولتي و إنطلاقي.

في اليوم التالي صلينا الفجر و انطلقنا .. بدأ اليوم نشيطا جميلا. وصلنا الساعة الثامنة تقريبا إلي هذا المكان الذي لم نصطد فيه من قبل. فعادة ما نصطاد في العين السخنة و لكن هذه المرة نصطاد في سيناء .. هذه الارض الجميلة التي يدمي قلبي لحالها لأسرها بمعاهدات خائنة.. و ياليتها هي فحسب و لكن مصر كلها مأسورة .. يقول الصيادون أن هذا المكان ملييء بالسمك .. قابلنا عمي بعد نفق الشهيد أحمد حمدي

في كل مرة نذهب فيها إلي الصيد يصطاد الجميع .. إلا أنا .. لا أعرف لماذا.. كل مرة أحاول عبثا حتى استسلمت .. و قلت لنفسي لا عليك .. كل إنسان يفشل في بعض الأمور و ينجح في البعض الآخر..و مع ذلك كنت ألقي بالسنارة و أشعر بالسمك يلدغ الطعم فأقول ضاحكة .. "أنا باحب اغدي السمك"
لأخفي فشلي في صيد أي منها..كنت أذهب إلى الرحلات لأستمتع بالبحر و السماء و الجو الجميل و صحبة الأهل التي لا تخلو من الضحك و المواقف اللطيفة

و لكن هذا اليوم أحسست أني سأصطاد .. لا أعرف من أين جاءني هذا الشعورفقد فشلت في هذا عشرات المرات.. لا أعرف .. ظل يخالجني .. حتى اتصلت أمي نصف نائمة "ها وصلتوا؟" فقلت لها "لء لسة في الطريق .." ثم قلت "ادعيلي اصطاد يا مامي" شعرت بها تضحك و تقول "إن شاء الله تصطادي" أمي انسانة جميلة .. متفائلة إلى أقصى حد .. تملئ البيت بالسعادة و المرح و تملأه بالناس أيضا فمن كرمها يعتبر الجميع أن بيتنا هو بيت العائلة..

ظل مصطفى يقود حتى وصلنا إلي مرسى اليخوت .. لم يكن مكتمل بل كان تحت الإنشاء، فحتى نصل الى اليخت، نمشي على حديد مفرغ إذا نظرت تحت أقدامك ترى البحر.. فهذا الحديد هو نواة لسان لم يكتب له أن يكتملا بعد. قفزنا في اليخت و بدأت الرحلة. بحر أزرق يحملنا و سماء زرقاء تغطينا و الله حافظنا.

أوقف البحار اليخت و قال "هنصطاد هنا إن شاء الله" و بدأنا نصطاد .. أقصد بدأ الجميع يصطادون .. يخرجون السمكة تلو الأخرى ماشاء الله .. أما أنا فليس لي نصيب من هذا... ظلوا يصطادون و يهللون و بدأت مبارزة الصيد بين عمي و مصطفى.. فكلما إصطاد أحدهما سمكة قال للآخر :"مش هتعرف تصطاد سمكة زى دي "..و إذا إصطاد مصطفى سمكة أعجبت عمي جاء و أخذ مكانه ..كم أحب روحه الشابة هذه.

أدركت وقتها أن ثمة شيىء لاأفهمه في الصيد.. فجلست أراقبهما حتى أتعلم.. أمعنت في المراقبة .. فربما لأنهما يرميان السنارة أبعد مني ؟لا لا .. ليس هذا .. ربما لأنهما أكثر صبرا مني؟...لم أعرف..فسألت عمي .. فقال "أمسكي السنارة كدة و ارميها و حطي ايدك على الخيط عشان تحسى بالسمك لما ييجي و افردى السنارة عشان الحركة توصل لايدك" ففعلت .. و لكن لم يغير هذا شيئا.. فعدت ثانية للمراقبة..

فلاحظت أن عمي يتمتم بشيء قبل أن يلقي بالسنارة.. فسألته :"عمو حضرتك بتقول ايه ؟" فضحك و قال و هو يخفض صوته و كأنه يبوح لي بسر ثمين :"أنا هأقولك عشان باحبك .. الصيد دة رزق و الرزق دة بتاع ربنا و بس.. احنا يدوب بنرمي السنارة ..و احنا بندعي .. و الاهم من الدعاء انك تكوني متأكدة من ان ربنا هيستجيبلك.. فلازم تحسي ان ربنا بيحبك .. و ان السمكة دي رزقك انتي ربنا باعتهالك انت بالذات..انا بأقول يا رب اني احبك لكل النعم التى انعمتها علي بغير حساب"..يا رب ارزقني و اقرأ سورة أو آية باحبها من القرآن ،الفاتحة ،آية الكرسي.. و بارمي و اركز مع السنارة و بس و ربنا هيرزقنى أكيد..."

أخذت نفسا عميقا و أخذت السنارة و لكن ليس سنارتى .. كالطفلة أخذت سنارة عمي .. و قلت له "أصل دي مزبوطة و بركة كمان :) ".أخذت السنارة و بدأت أنفصل عن العالم ، أغمضت عيني و شعرت بالهواء من حولي..ثم دعوت الله و قلت: "يارب نفسي اصطاد جدا.. يا رب ارزقني .. انت الرزاق.. انت الكريم.. " و قرأت آية الكرسي ثم ألقيت بالسنارة و التحمت معها و كأن السنارة أصبحت جزءا لا يتجزأ من جسدي.حتى شعرت بتيارات المياه إذا أخذت تراقص الخيط تحت الماء.

فتحت عيني فجأة على أثر اهتزاز قوى في السنارة فصرخت فرحا.." سمكة .. سمكة .. مصطفى .. عمو .. تعالوا شدوا معايا مش ادرة اشدها"..فجاءا و لكن لم يساعداني.. قالوا "شدي .. هتأدري..." ظللت أنا و السمكة نتجاذب أطراف الخيط بإصرار من الجانبين.. فهذه السمكة رزقي و لن أتركها.. و بفضل الله رفعت السمكة ... ما إن رأها الجميع حتى قالوا سبحان الله ما هذا الجمال. كانت ألوانها خمسة: أزرق-فضي-أحمر- موف-أصفر .. و كلها متداخلة.كانت جميلة ، اسمها سمكة الببغاء.. كما قال البحار.. "يا انسة دي سمكة ما تطلعش في سنارة ابدا لانها زكية اوي ... دي تطلع في شبك بس انت بجد صيادة قديمة أكيد".. فضحكت و قلت له "دي أول سمكة اصطادها في حياتي ". فكان كلام عمي حقا كنزا ..أدركته تماما.."

رميت السنارة من جديد و كلي يقين أني سوف أصطاد مرة أخرى.. و لم تمر خمسة دقائق الا وأخرجت ببغاء أخرى.و من يومها و أنا اصطاد كل مرة.

و تعلمت من جمل

كم اشتاق الى كتابة وكم اتمنى أن يكون قلمي قد اشتاق إلي أيضاً. لا أصدق انني مستيقظة من الفجر في يوم اجازة ولكن قمت بكذا عمل يسعدني و هذا هو المهم ..

أريد أن اكتب هذا الموضوع منذ زمن، وها أنا ذا أحاول.

في يوم من أيام سفري إلى دهب ، بالتحديد ونحن عائدون من أبو جالوم ، وهي لمن لا يعرفها منطقة جميلة للغطس ولكن لا يوجد طرق ممهدة لها إلا البعيد جداً.فذهبنا على جمال وهنا بدأت القصة.
فعند رحلة العودة لم أجد إلا جملين اختار بينهما فتوكلت على الله واخترت احدهماوما إن بدأ يمشي حتى لاحظت عليه بعض السمات الشخصية التي تميزه عن الاخرين، فكل الجمال بدأت الرحلة في خط مستقيم أما جملي أبى أن يمشي مع القطيع وحاولت جاهدةً وأنا على ظهره أن اثنينه عن عزمه ولكني فشلت.
نعم فشلت.
وجدتني وأنا وحدي مع جملي.. أنا وهو فقط ...وكانت الشمس قد اقتربت على المغيب، البحرعن شمالي والجبال عن يميني وسماء زرقاء صافية من فوقي... كم كان هذا المنظربديعا. أحسست وقتها بصفاء لم أعهده في حياتي الصاخبة.. كانت الجبال ذات ألوان جميلة فبعضها حمراء وأخرى سوداء أما الأكثر فكانت خليطا متجانسا من اللونين كخطوط تداخلت لتتعانق بلا حراك. بدأت السماء أيضاً تحذو حذو الجبال فتأخذ من ألوانها معلنةً قرب المغيب.
أماعن المجموعة فقد ذهبت بعيداً حيث لم أكن أراها ولا حتى اسمعها.

مع كل هذا التيه الذي أنا فيه .. مازال هذا الصفاء النفسي لا يفارقني كما لم تفارقني نسمات الهواء العليل النقي
أما جملي فقد أخذ يمشي في طرق عجيبة، تارةً يتسلق جبلٌ صغير وتارةٌ أخرى يمشي على السهل الدقيق بين البحر والجبل .

بدأت حينها أفكر "هذا الجمل لن ينفذ ما أطلبه ، ولكن مهلاً من الذي قال أن ماأطلبه هو السلامة؟ فربما يعرف الجمل طريقٌا أفضل. لماذا دائماً أعتقد انني أحسن من يفكر وانني أحسن من يتأخذ القرارات؟"

ربما يكون الجمل أفضل مني في معرفة الطريق . في هذه اللحظة قررت أن أثق في الجمل وأن أعطيه فرصة أن يقودني ، وأعطي نفسي اجازة من التفكير. لا أعرف ما ذا أصابني في هذه اللحظة هل فقدت عقلي ؟! في النهاية أترك جمل يقودني؟! لم افهمني ولكن هذه أنا التي تظهر أوقاتا على سطح شخصيتي ..لم أفكر كثيراًولكن هذا ما قررت وما شعرت أنه صواب .

تركت اللجام ورفعت قدمي فوق ظهر الجمل وأسلمت أمري إلى الله
وقررت أيضاً الإستمتاع بهذا السكون النادر.

مشى الجمل ومشى ومشى. وبدأت اتحدث إليه. نعم إلى الجمل !!
هنا كنت أشعر أن كل المخلوقات تتكلم وتسمع وتتجاوب معي.
فربت على رقبته وقلت له، ألا يكفي هذا يا جمل قربت الشمس على المغيب ألا يمكن أن نعود إلى الطريق؟

لم يعلق الجمل ولكنه إستدار و اتجه إلى البحر ينظر إليه وكأنما يتأمله فقلت له أيها الجمل الشاعر إلى ما تنظر، الطريق ليس من هنا، ثم تذكرت انني قررت أن أثق به وتقريباً كان هذا القرار الوحيد الذي أملك وقتها
ثم وجدت الجمل ينزل إلى البحر !!!! نعم نزل الجمل إلى البحر حتى أصبحت ركبتيه مغطاه بالماء !!! ثم إستدار ونظر في إتجاه الجبل !!! ياللعجب !!! وظل الجمل على هذا الحال. وأنا فوقه !!!

لم يكن الجمل هو ما يشغلني في هذه اللحظة ولكن كنت استغرب نفسي جداً!!!

قررت بعدها أن اشارك الجمل لحظة التأمل التي هو فيها وبدأت في قراءة الأذكار التي حان وقتها.
بدأت اقرأ وأتلو بصوتٍ عال وارتل .كم كان صوتي جميلاً في هذا المكان مع بعض الصدى الذي أسمعه أنا و... الجمل
فور إنتهائي من الأذكار تذكرت المشكلة التي أنا فيها ..
فسألت الجمل بصوتٍ عالي .." مش يلا نمشي بأة ؟" قلت ذلك وأنا أربت على عنقه ثانيةً

الغريب هذه المرة أن الجمل بدأ يسمعني .. نعم فقد بدأ يخرج من البحر وبدأ ينفذ مطالبي.. وليس اوامري .. وجدت أن ثقتي في الجمل كانت في محلها فقلت له يجب أن نسرع قبل مغيب الشمس فوجدته يجري!!! ولكن كان هذا أقوى من إحتمالي فأنا لست فارسة ، فطلبت منه ثانيةً أن يمشي بسرعة أقل فوجدته ينفذ .. سبحان الله .. هل هذا أثر الأذكار؟

هنا أحسست بشعور يصعب علي وصفه: منتهى الإحساس بمعية الله والثقة بأنه لن يضيعني ..
مشيت مع جملي الذي إستحق ثقتي عن جدارة وأوصلني في النهاية إلى المكان الصحيح وعلمني درساً لن أنساه: لماذا لا اعطي ثقتي للناس ولماذا لا أعطي فرصة لأحد حتى يثبت أنه جدير بالثقة ؟ لماذا أعتقد أنه أكيد طريقتي هي أفضل طريقة للوصول ؟ مع أن لكل طريقته في الوصول .. قررت كتابة ذلك وسميته ..وتعلمت من جمل ..

كم أود الوصول إلى هذه الراحة النفسية التي شعرت بها مع جملي .. هذه الثقة التي استطاع ان ينتزعها مني.. هل يمكن أن أثق في إنسان بهذه الطريقة؟حتى أسلم له إتخاذ قرارات تخصني بلا مشكلة ؟

فور وصولنا أحسست أني حقيقة أحب هذا الجمل :) نزلت من على ظهره وأنا تملؤني مشاعر مختلفة كثيرة .. نزلت وسلمت على جملي وجدته يحيني برأسه و بصوت يصدره .. حقاً هذه التحية لي ؟ هذا فعلاً جملي :))))

بيت العود

قلم رصاص، ورق أبيض،كل ما أحتاج اليه لأغوص في اعماقي و ارسم لوحة كلامية جديدة.

عمل كثير ،نوم قليل،هكذا كان الاسبوع حتى جاء يوم الأربعاء.

فقد حدثني زميل لي في العمل عن هذا المكان الساحر . قفذت بخيالي اليه ارسمه في عقلي حتى جاء يوم الاربعاء،حين زرت هذا المكان ،بيت قديم،في اعماق الازهر،تفوح منه رائحة الماضي الجميل، كل حجر، كل أثر، يبوح بأصالة هذا المكان.

قبل الذهاب،صليت في مسجد الأزهر الشريف، المسجد الذي كلما زرته ، ازداد شوقي اليه، ربما لانه يذكرني بالكعبة، لا أعرف حقا، ربما لاني جئت في زمان غير الذي تمنيت،أحيانا ما أشعر بهذا.. فأنا انتمي الى زمن آخر.. زمن قديم .. زمن فيه الجمال جمالا و العدل عدلا و الاخلاق أخلاقا...

خطوت أول خطوة داخل المكان فاستقبلتني لوحة زخرفية جميلة منقوش عليها "بيت العود " هكذا كان إسم المكان وصفته أيضاً .. مع هذه الخطوة أزحت ستائر الحاضر لأرى الماضي الجميل . في الداخل ،وجدت الكثير من العازفين والمتدربين على عزف العود ثم قابلنا زميلاي لأراهما في ثوبٍ جديد فقد سقطت عنهما اقنعة العمل الثقيلة وظهر وجههما الأخر ...وجهين فنيين حالمين..وبدأ احدهما يعزف على العود .. ظل يعزف ويعزف ويعزف..

بمهارة شديدة .. كان يعزف بجدية متناهية مع أنه خفيف الظل كثير الضحك .. أو هكذا كان يبدو في العمل .. كان ينظر إلى الأرض وكأنه نبتةٌ تمتص غذاؤها من الأرض .. أما نحن فظللنا جالستين في إنبهار تام

ثم جاء وقت "بروفة " نصير شمة .. لم تكن هذه أول مرة أسمع انغامه ولكني حقاً لم أكن أتذكر شكله .. فما إن نزل من مكتبه حتى أشار الي زميلي برأسه قائلا "هو دة " .. كان يمشي بهمة وسرعة تملأه الحيوية والإقدام ..

ثم أخذ مقعداً على رأس العازفين وبدأ العزف .. وما أن بدأ يعزف حتى إمتلأ المكان بالهواء العليل ...عجيب هذا الرجل كان يتمايل مع انغامه كالفراشة .. بل إنه كان يتنفس انغامه ..نعم كان يتنفسها.. ويستقي منها رحيق الحياه .. شعرت وقتها أن المكان إمتلأ بالنسيم.. لم يكن نسيماً بل كانت انغامه ممزوجة بإحساسه ..

اما صديقتي فكانت مبهرةٍ تماماً .. لا تريد الذهاب حتى اقتربت الساعة من العاشرة .. فاضطررنا للرحيل .. ولكني أخذت بعض النغمات معى .. أخذتها واتمنى ألا تفارقني أبداً